ابن أبي أصيبعة
70
عيون الأنباء في طبقات الأطباء
قال " أبو مسلم " : اعتل " أبو غانم " ، يعنى أباه ، علة صعبة فتولى علاجه منها " الطيفورى " المتطبب . وكانت في " أبى غانم " حدة شديدة ، تخرجه إلى قذف أصحابه ، وإلى الإقدام بالمكروه عليهم . فانى لواقف على رأسه وأنا غلام في " قبادر زبيرون " ، إذ دخل عليه " الطيفورى " فجس عرقه ونظر إلى مائه ، ثم ناجاه بشئ لم أفهمه . فقال له : كذبت يا ماص بظر أمه . فقال له " الطيفورى " : أعض الله أكذبنا بكذا وكذا من أمه . فقلت في نفسي : ذهبت والله نفس " الطيفورى " . فقال " أبو غانم " : يا ابن الكافرة ، لقد أقدمت ويلك ، كيف اجترأت على بهذا ؟ . فقال : والله ما احتملت سيدي " الهادي " قط على لقائي بحرف خشن ، ولقد كان يقذفنى فأرد عليه مثل قوله ، فكيف أحتمل لك ، وأنت كلب قذفى ؟ . فحلف لي " أبو مسلم " أنه رأى أباه ضاحكا باكيا ، يفهم في بعض أسرة وجهه الضحك ، وفي بعضها البكاء . ثم قال له : والله إنك « 1 » كنت ترد على أمير المؤمنين " الهادي " « 2 » القذف الذي كان يقذفك به ؟ . فقال له " الطيفورى " : اللهم نعم . فقال ( له ) « 3 » : فأسألك بالله لما أحببت في عرض حميد ما أحببت ، وقذفته بما شئت من القذف متى قذفتك ؟ ثم بكى على " الهادي " بكاء كثيرا . قال " يوسف " : فسألت " الطيفورى " عما حدثني به " أبو مسلم " من ذلك فبكى حتى تخوفت عليه الموت ، مما تداخله من الجزع عند ذكر حميد ، وقال : والله ما عاشرت بعد " الهادي " أحر نفسا ، ولا أكرم طبعا ، ولا أطيب عشرة ، ولا أشد إنصافا من حميد . إلا أنه كان صاحب جيش ، فكان يظهر ما يجب على أصحاب « 4 » الجيوش إظهاره . فإذا صار مع إخوانه كان من المنقطعين إليهم لا من المنفصلين عليهم . قال " يوسف " : وحدثني " الطيفورى " ، أنه كان مع « 5 » " حميد الطوسي " بقصر " ابن هبيرة " « 6 » ، أيام تغلب صاحبنا على مدينة السلام ، وما والاها ، فقدمت عليه جماعة من جبل طىء « 7 » ، عليهم رئيس لهم يقدمونه على أنفسهم ، ويقرون له بالفضل والسؤدد عليهم . فأذن لهم في الدخول عليه في مجلس عام احتشد لإظهار عدده فيه .
--> ( 1 ) في ج ، د : " إن " . ( 2 ) ساقط في ج ، د . ( 3 ) إضافة من ج ، د . ( 4 ) في ج ، د : " أصحابه " . ( 5 ) في أ : " عند " . ( 6 ) هو أبو المظفر : يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة بن سعد بن الحسين بن أحمد بن الحسن بن جهم بن عمرو بن هبيرة بن علوان الشيباني " ، وزير كاتب ، ولد بقرية بنى أوقر بالعراق سنة 499 ه ، فطلب العلم صغيرا ، وجالس كبار العلماء ، والأدباء ، وسمع الحديث من : " أبى عثمان بن ملة " ، و " هبة الله بن الحصين " ، وغيرهم . كما تعلم الأدب على " ابن الجواليقي " ، وتفقه على " أبى الحسين محمد بن محمد الفراء " ، و " الزبيدي " ، وغيرهم . وكان من الكتاب المهرة ، وتولى ديوان الزمام للمقتفى لأمر الله ، ثم جعله وزيرا له سنة 544 ه ، ووزير لابنه المستنجد بالله . وله كثير من الكتب ، منها : كتاب العبادات ، واختصار كتاب المنطق لابن السكيت ، وكتاب الإفصاح عن معاني الصحاح ، وهو في شرح صحيح البخاري وصحيح مسلم . وكانت وفاته في شهر جمادى الأولى سنة 560 ه . انظر في ترجمته : وفيات الأعيان لابن خلكان : 6 / 230 ، النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى : 5 / 369 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 20 / 426 . شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي : 4 / 191 . ( 7 ) في د : " ملى " . جبل طىء : جبل ببلاد الشام ، وبه تبدأ الشام من ناحية القبلة ، وحتى بحر الروم . انظر : معجم البلدان لياقوت الحموي : 3 / 354 .